نشر في 19.01.2010 07:54:58 UTC
تم التحديث في 19.01.2010 07:54:58 UTC
تشهد العلاقات التركية منذ عام مضى أزمات متتالية . ولنتذكر أهم الأزمات التي حصلت عام 2009 : أزمة "وان مينيت" الشهيرة التي حصلت في دافوس بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان و الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ، "الأزمة الإعلامية" التي تفجرت أعقاب قيام قناة تلفزيون "تي أر تي 1" ببث مسلسل يعكس العنف الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين ، و أخيرا "الأزمة العسكرية " التي ظهرت أعقاب لجوء تركيا إلى إستبعاد إسرائيل من مناورات نسر الأناضول العسكرية .
ومع حلول عام 2010 ، نلاحظ أن الأزمات لم تنتهي بين البلدين ، بل أنها مستمرة و بتصاعد .
خلال الأيام الأحد عشر الأولى من عام 2010 تفجرت ثلاث أزمات هامة بين تركيا و إسرائيل .الأولى هي "أزمة القافلة" المتجهة إلى فلسطين . فهذه القافلة التي أرادت تقديم المساعدة إلى قطاع غزة في الذكرى السنوية الأولى للهجمات الإسرائيلية على القطاع ، والتي كانت تضم أتراكا أيضا ، ظلت تنتظر أياما على الحدود ، الأمر الذي أدى إلى حصول مأسي إنسانية . و إلى جانب وجود دور لمصر في هذه الأزمة ، فإن جوهرها كان نابعا عن إسرائيل . وأعقاب ذلك حصلت "أزمة إعلامية " جديدة . حيث عرض في مسلسل شهير يبث من إحدى قنوات التلفزيون التركية الأهلية مشاهد مداهمة السفارة الإسرائيلية و تلطخ العلم الإسرائيلي بالدماء. وأبدى المسؤولون الإسرائيليون رد فعل دبلوماسي إزاء هذا المسلسل. وإثر لجوء رئيس الوزراء اردوغان في نفس اليوم إلى توجيه إنتقادات عنيفة ضد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة ، أبدت وزارة الخارجية الإسرائيلية رد فعلها إزاء ذلك قائلة "إن الأتراك هم اخر من يقدمون النصح إلى دولة إسرائيل".
و في النتيجة تفجرت "الأزمة الدبلوماسية" التي سميت بـ"أزمة المقعد المنخفض"،من خلال قيام نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون بإنتهاج سلوك فض من الناحية الدبلوماسية إزاء السفير التركي لدى تل أبيب أوغوز جليكول . وقد جعل السفير التركي ينتظر تحت عدسات الكاميرات أمام الغرفة التي كان سيعقد فيها لقائه مع أيالون . ثم أجلس السفيرفي مقعد أقل إرتفاعا من مقعد الإسرائيليين المستضيفين له ، و أعلن أن هذا السلوك جرى بصورة متعمدة بغرض توجيه رسالة عنيفة إلى تركيا .
وبعد ذلك صدرت ردود فعل شديدة من مسؤولي الحكومة التركية و وزارة الخارجية التركية ، وطلب من إسرائيل تقديم الإعتذار إلى تركيا . و رد الفعل الأعنف جاء من رئيس الجمهورية عبدالله جول الذي أصدر إنذارا أكد فيه على أنه في حال عدم تقديم إسرائيل رسالة إعتذار خطية إلى تركيا حتى مساء يوم الثالث عشر من يناير/كانون الثاني فإنه سيتم سحب السفير التركي من إسرائيل .
وهذا كان يعني في الواقع تعليق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين . وأعلن عن بدء السفير جليكول بالإستعداد للعودة إلى تركيا .و عند نقطة الإنكسار هذه تدخل في الأمر الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز و رئيس الوزراء نتانياهو ، وبالتالي بعثت إلى تركيا رسالة الإعتذار المنتظرة . وقدم فيها أيالون شخصيا إعتذارا على السلوك الذي بدر منه ، وسعى إلى كسب ود تركيا من خلال قوله "بأنهم يكنون الإحترام العظيم للشعب التركي". وبالتالي أصدرت وزارة الخارجية بيانا يفيد بإنتهاء الأزمة .
إن صيغة نتائج الأزمات التركية – الإسرائيلية التي بدأت عام 2009 و إستمرت عام 2010 تنطوي على معاني هامة . ويمكن إبراز إثنين من هذه المعاني إلى الواجهة . فأولا وعند النظر من الزاوية التاريخية ، نلاحظ أن العلاقات التركية - الإسرائيلية تمر من مرحلة مختلفة للغاية . وعند المقارنة بأمثلة الماضي سنلاحظ أن تركيا اليوم أكثرقوة و نفوذا . وذلك لأن تركيا قادرة على توجيه إنتقادات عنيفة جدا إلى أخطاء و إنتهاكات إسرائيل ، وهذه الإنتقادات تصل أحيانا إلى حد الإتهام بممارسة "الإبادة" و إلى نقطة توجيه "الإنذارات" . وهذه هي المرة الأولى التي لجأت فيها تركيا إلى "المساس" بهذا القدر بإسرائيل التي يتم إعتبارها لو جاز التعبير دولة متمتعة بـ "حصانات" و "إمتيازات" .
والأهم من ذلك هو أنه على الرغم من توجيه تركيا كل هذه الإنتقادات ، لم يلاحظ صدور ردود فعل ضدها من اللوبي الإسرائيلي القوي في العالم و من دول من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية . وعلى سبيل المثال لم يتم الذهاب إلى فرض عقوبات على تركيا من قبيل تطبيق حظر عليها . بل على العكس من ذلك فإن الإدارة الأمريكية و اللوبي اليهودي و الإسرائيلي يواصل دعم تركيا و التعاطف معها . وفضلا عن ذلك لاحظنا حصول جدل عميق داخل إسرائيل خلال أزمة "المعقد المنخفض" . إذ بينما نرى لجوء الصقور من أمثال وزير الخارجية ليبرمان إلى إتخاذ مواقف صارمة ضد تركيا ، فإن الحمائم من قبيل وزير الدفاع إيهود باراك يظهرون تعاطفا لتركيا . إن كل هذه المستجدات تعكس مدى إرتقاء قوة و جاذبية تركيا . حسنا لماذا تتمتع تركيا بهذا القدر من القوة و الجاذبية؟.
لو أردنا الخلاصة ، يمكن القول أن تركيا تستمد قوتها و جاذبيتها من موقعها الجيوسياسي و الجيوثقافي و الجيوإستراتيجي و الجيوإقتصادي . إذ أن تركيا تقع في قلب قارات ثلاث وفي مركز الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب و العالم الإسلامي و العالمين المسيحي و اليهودي . فهذا الموقع يضفي على تركيا جاذبية لا تصدق . و سياسيا تتمتع تركيا بنظام منسجم مع الغرب و القيم الديمقراطية و العلمانية و الليبرالية . و ثقافيا تتمتع بمميزات إجتماعية و ثقافية تولي الأهمية للتسامح و تنبذ العنف و التطرف . و إستراتيجيا فإن تركيا تنتهج سياسة خارجية داعمة للسلام و الإستقرار في المسائل الإقليمية من قبيل العراق و إيران و فلسطين و سوريا .و إقتصاديا تتمتع بإقتصاد ليبرالي غربي قوي و تشكل معبرا لخطوط نقل الطاقة مباشرة إلى الغرب . و بفضل كل هذه المميزات ، فإن تركيا تتمتع بفرصة بلورة التطورات في مناطق الشرق الأوسط و القوقاز و البلقان و حوض البحر الأبيض المتوسط و أوروبا ، أو التأثيرعلى هذه التطورات .
لهذا لا يمكن لا للولايات المتحدة الأمريكية ولا لإسرائيل غض النظر عن مثل هذه الدولة الهامة، ولا تستطيع المجازفة بفقدها . و أن سير الأزمات التي حصلت خلال العام الأخير ونتائجها تثبت هذا بوضوح .