نشر في 25.12.2009 11:17:37 UTC
تم التحديث في 25.12.2009 11:17:37 UTC
إنعقد في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن للفترة بين السابع و التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2009 مؤتمر التغير المناخي ضمن إطار برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وكانت الغاية من هذا المؤتمر الذي شاركت فيه 193 دولة هي إبرام إتفاقية بشأن منع التغير المناخي الناجم عن إرتفاع درجة حرارة الأرض . وفي نهاية إثني عشرة يوما من الأعمال تعذر على الخبراء الفنيين ضمان الإتفاق بهذا الشأن . أما قمة المناخ التي عقدت في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول بمشاركة زعماء الدول ، فلم تسفر سوى عن التوصل إلى تفاهم في اللحظة الأخيرة . وأفاد معظم الخبراء بأن هذا التفاهم سوف لن يستجيب للتطلعات بشان منع إرتفاع درجة حرارة الأرض. فيما أشار البعض الأخر إلى بزوغ بصيص من الأمل بالنسبة للمستقبل .
ونود الأن أن نقدم لكم تقييما حول هذا الموضوع للبروفيسور رمضان غوزن رئيس قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية بجامعة جانكايا .
إن الإنسانية تواجه معضلة هامة بشأن مستقبل العالم . فمن ناحية ترغب في إستخدام كافة مصادر الأرض للحصول على أفضل الظروف المعيشية ، ومن ناحية اخرى لا ترغب في تحمل المسؤولية اللازمة لحماية الأرض و إبقائها للإجيال القادمة .
إن الجانب الأول للمعضلة يتعلق بمساعي الصناعة و التنمية و التحديث و السيطرة على الطبيعة. ففي القرن العشرين أدت السيارات و المنتجات الصناعية و التقنية الأخرى إلى حصول زيادة كبيرة في إستخدام النفط و الغاز الطبيعي و مشتقاتهما . وعلى الرغم من كون الثروات الطبيعية مجانية نسبيا ، فإنها ليست بلا ثمن من ناحية نتائجها.
والثمن الأهم هنا هو التدهور السريع لجودة طبيعة العالم التي تعد أساسا للحياة. وهناك بعدان لهذا التدهور ، الأول هو دمار مصطنع من قبيل تلوث بيئة الإنسان المؤلفة من اليابسة و البحر و الهواء و حصول ثقب في طبقة الأوزون ، والثاني هو التغير المناخي العالمي الذي يعني حصول إرتفاع في درجة حرارة الأرض.
إن كلا هاتين المشكلتين أخذت و للأسف بالتسبب في جعل ظروف الحياة صعبة. وأهم المؤشرات على ذلك : حصول إختلال من قبيل السيول العارمة و الجفاف جراء الخلل في أنظمة المطر ، و إرتفاع درجة حرارة الأرض و ذوبان الجليد وحصول خلل في المعايير المعيشية للأحياء بسبب التغير المناخي ، والأسوأ من كل ذلك هو وجود مخاطر إنتهاء الحياة على وجه الأرض بعد مئة عام في حال إستمرار هذا الوضع. ويمكن في النتيجة القول بأن الإنسانية تواصل القضاء على الأرضية التي تقف عليها .
إن هذه المشاكل ولدت الحاجة إلى البعد الثاني للمعضلة أي المسؤولية. وعلينا التأكيد هنا على أن الشعور بالمسؤولية غير شائع على صعيد العالم و هذا الشعور وإن وجد جزئيا فليس هناك الإرادة القوية اللازمة لتنفيذه . وإن رأينا هذا غير نابع عن إستمرار إزدياد المشاكل الكونية الناجمة عن النشاط الصناعي فحسب بل أنه نابع أيضا عن عدم الحصول على نتائج مؤثرة من الأعمال الجارية بشأن البيئة و المناخ .
إن بداية الشعور بمشاكل البيئة و المناخ و القيام بالمبادرات الجادة الرامية إلى إتخاذ التدابير الكفيلة بوضع حد لهذه المشاكل ، تعود إلى أعوام الستينات من القرن الماضي. وخلال الفترة الممتدة من تلك الأعوام و حتى الأن إنطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة و أسست المنظمات المختصة و منظمات المجتمع المدني المختلفة ، وطرحت هذه المنظمات القرارات و البرامج المهمة بشان مكافحة مشاكل البيئة و تغير المناخ. وعلى سبيل جرى في قمة الأرض في ريودوجانيرو عام 1992 إقرار المعاهدة الإطارية للأمم المتحدة للتغير المناخي ، وتبعا لذلك تم عام 1997 إعداد بروتوكول كيوتو.
وإستهدف بروتوكول كيوتو خفض إنبعاث الغازات المتسببة في الإحتباس الحراري للفترة بين عامي 1997 و 2012 . بيد أن هذا البروتوكول ولد ميتا لسببين ، الأول أن البروتوكول لم يدخل حيز التنفيذ إلا في السادس عشر من فبراير/شباط عام 2005 جراء عدم إكتمال عدد الدول الموقعة و المصادقة عليه . و الثاني هو عدم توقيع الكثير من الدول المتحملة للمسؤولية الأكبر بشأن إنبعاث الغازات المتسببة للتغير المناخي العالمي ، عدم توقيعها على البروتوكول أو عدم تنفيذها له بصورة تامة ، وعلى رأس هذه الدول تأتي الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و الهند .
وحاليا ثمة في أجندة العالم مساعي إبرام إتفاقية أقوى لما بعد فترة بروتوكول كيوتو. وأهم هذه المساعي هو التفاهم الذي تم التوصل إليه في اللحظة الأخيرة في مؤتمر كوبنهاجن . وأهم فقرة في هذا التفاهم هي منع بلوغ إرتفاع درجة حرارة الأرض إلى درجتين مؤيتين و منح الدول النامية مساعدات بقيمة 100 مليار دولار حتى عام 2020 لتمكينها من مكافحة تغير المناخ.
و الجانب الهام لهذا التفاهم هو أنه حظي بالدعم من قبل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما و الصين . ومن المعلوم أنه جرى ضمان هذا التفاهم في مبادرة اللحظة الأخيرة لأوباما وبعد إقناع الصين . ولهذا يلاحظ في هذه المرة وضعا مختلفا و أكثر إيجابية نسبيا مقارنة ببروتوكول كيوتو. وعلى الأقل ثمة حاليا موقف حازم في الدول الكبرى .
غير أنه لا يمكن القول ان هذا التفاهم يشكل حلا تاما و نهائيا . وذلك بسبب عدم تمتعه بصفة ملزمة قانونيا ، إذ ليس ثمة أية عقوبات ستفرض على الدول التي سوف لن تلتزم بالتفاهم الذي لا يتضمن أي إطار بشأن تفاصيل إستخدام الكربون ، بحيث يتم ترك الترتيبات بهذا الشأن للدول . و المسؤولية الوحيدة للدول بهذا الصدد تتمثل بتقديم تقارير إلى الأمم المتحدة كل عامين بشأن أعمالها في مجال مكافحة تغير المناخ . وسيمكن للأمم المتحدة مراقبة الدول المعنية من خلال تلك التقارير.
وخلاصة القول فإن معضلة الإنسانية متواصلة بشان البيئة و المناخ . ومن الواضح أنه سيتم اللجوء إلى المزيد من المبادرات طالما إستمرت هذه المعضلة.