نشر في 27.02.2010 12:32:14 UTC
تم التحديث في 27.02.2010 12:32:14 UTC
مرحبا بكم في حلقة جديدة من برنامجنا الأسبوعي "السلام والأمن". سنتابع في حلقة اليوم حديثنا عن مفهوم السلام، وسنتحدث بشكل خاص عن الأقوال المهمة المتعلقة بالسلام لمؤسس الجمهورية التركية رجل الدولة العظيم مصطفى كمال أتاتورك. كما هو معروف أسست الجمهورية التركية عام 1923، وانتصر الشعب التركي الذي خاض حرب تحرير ضد الدول المحتلة في الفترة بين عامي 1919 و1922، انتصر في هذه المسيرة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، ومع معاهدة لوزان للسلام استرجعت تركيا الجديدة مكانتها المحترمة بين عائلة الشعوب في العالم كدولة متساوية ومستقلة وذات سيادة. سلطت الأضواء على مصطفى كمال أتاتورك العسكري في فترة الحرب العالمية الأولى بشكل خاص بسبب النجاح الكبير الذي حققه في معارك جناق قلعة عام 1915.
وأضطر مصطفى كمال باشا الذي شارك في جبهات قتالية أخرى بسبب ما فرضته عليه المهنة العسكرية وفي إطار الظروف المضطربة في تلك السنوات، أضطر لتولي مهمات على جبهة المعارك من جديد. بسبب احتلال منطقة الأناضول وفرض تطبيق معاهدة "سيفر" التي كانت لا تعترف بحق الشعب التركي في الحياة. وكان الهدف الوحيد للنضال الذي تحقق في الفترة بين عامي 1919 و1922 لكمال باشا الذي أدى وظيفته العسكرية أي فنون الحرب على أكمل وجه من جميع النواحي، كان تخليص الأراضي التركية من الاحتلال وتأمين السلام. وعلى الرغم من كونه عسكريا، إلا إن كلماته هذه تحمل معاني كثيره: " الحرب جريمة ما لم تتعرض حياة وكيان الشعب للخطر".
إن تحدث قائد مشهور عن مثل هذه الكلمات التي ترفض الحرب هو في الحقيقة أمر ملفت للنظر ومفهوم يحتذي به. وذلك لأنه بينما كان كمال أتاتورك يعمل على الساحة التركية بين عامي 1923 و1938، كانت الإيدوليجيات الديكتاتورية والشمولية كالفاشية والوطنية الاشتراكية منتشرة في أوروبا، وكانت هذه الإدارات تتبع في نفس الوقت سياسات توسعية وهجومية.
وعلى جانب أخر، كان النظام العسكري الياباني والنظام الستاليني في روسيا السوفيتية في الشرق الأدنى، يتبعان سياسات دكتاتورية مهددة للجوار عوضا عن تبنيهم للسلام الإقليمي والعالمي. وفي هذا الإطار يجب أن نقيم أقوال مصطفى كمال أتاتورك السياسية والتي تحمل أيضا صبغة فلسفية متعلقة بتركيا والعالم على حد سواء. وكان قد تحدث بعدة وسائل عن ضرورة الأمن بالنسبة للسلام، وضرورة السلام بالنسبة للأمن.
وركز مصطفى كمال أتاتورك في كلمة ألقاها عام 1920 أي بينما كان النضال من أجل التحرير مستمرا، ركز على المواضيع التالية: "من أجل تنعم شعب بجو تسوده القوة والسعادة والآمان، يجب أن تتبع الدولة سياسة قومية تماما على أن تكون هذه السياسة مناسبة بشكل تام لمؤسساتنا الداخلية. وعندما نتحدث عن السياسة القومية، نقصد بذلك: الحفاظ على وجودنا داخل حدودنا القومية معتمدين على قوتنا الخاصة قبل كل شيء، والعمل على إحلال السعادة الحقيقية والعمران لشعبنا ووطننا، وتوقع التصرفات الحضارية والإنسانية والصداقة المتبادلة من العالم الحضاري".
إذا ما دققنا في ذلك، نرى ان كمال باشا يشدد على الاحترام المتبادل في العلاقات الدولية حتى في فترة الحرب. كما أنه يلخص المفهوم السياسي الذي كان يولي به أهمية أولوية، على الشكل التالي: حفاظ الشعب التركي على وجوده ضمن الحدود القومية معتمدا قبل كل شيء على قوته الخاصة، والعمل على تحقيق السعادة الحقيقية والعمران للشعب والوطن. ولهذا السبب كانت الأسس السلمية والحقيقية كتنمية الوطن وإنشاء الثقة الذاتية وتأسيس العلاقات الحضارية التي تعتمد على الأسس المتبادلة مع العالم، أساسا لأتاتورك وللجمهورية التركية التي أسسها. ولم يرد في أي وقت من الأوقات على جدول أعمال تركيا مفهوم المغامرة والتوسع.
كما ذكرنا لكم آنفا، أولى كمال أتوترك رجل دولة له جذور عسكرية، أهمية كبيرة لأجواء السلام في الفترة التي عقبت تأسيس الجمهورية وبعد نيل الشعب التركي لاستقلاله من جديد. وفي كلمة ألقاها عام 1931، نوه فيها عن مفهومي الأمن والسلام في آن واحد، وقال: "مبدأنا الدائم سيكون الاتجاه السلمي الهادف لتحقيق أمن تركيا وغير الموجه ضد أي شعب أخر. ونحن نعمل على إحلال السلام في الوطن والسلام في العالم".
كما تحدث أتاتورك الذي لم يتوانى عن ذكر السلام وأهميته وقيمته في كل الفرص، تحدث عن الموضوع في عامي 1933 و1938 وقال: " من المفترض أن يكون مبدأ السلام في الوطن السلام في العالم الذي يعد أحد أهم المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، أحد العناصر المهمة لرفاهية وتقدم الإنسانية والحضارة. وإن خدمتنا لهذا المبدأ على قدر استطاعتنا وإتباعنا إياه، هي حركة يجب أن نمدح عليها. وتركيا استقبلت بكل صدق الدعوات الآتية من طريق السلام، ولم تبخل بتقديم مساعداتها".
كما هو معروف فإن الدول لم تشهد سلاما دائما في الفترة التي تمتد بين عامي 1920 و1939 أي في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية. وبينما كانت رياح الحرب التي عصفت من جديد في أوروبا منذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي تقلق الشعب هناك، تمكنت تركيا من توقيع اتفاقيات السلام والصداقة والأمن والتعاون مع الدول المجاورة لها من جهة البلقان والجهة الشرقية. ودخلت كل من تركيا واليونان يوغوسلافيا ورومانيا حيز التضامن مع حلف البلقان الذي أسس عام 1934.
علاوة على ذلك، بدأت كل من تركيا وإيران وأفغانستان والعراق مسيرة التعاون والصداقة مع تأسيس حلف سعد آباد عام 1937. والموضوع الذي يجب تذكره هنا هو، أن المعمار الأساسي للجو الذي ساده السلام والصداقة هو رئيس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.
ومن المناسب هنا أن نذكر بعض الكلمات التي تعكس الأهمية التي أولاها أتاتورك للعلاقات الدولية والسلام والأمن. ولدى النظر إلى قسم من أقواله عامي 1926 و1938، فيظهر أنه قائد قادر على رؤية المستقبل والطريق الصحيح، إذ أنه قال: "نحن الأطراف الأكثر تحمسا للسياسة الشفافة والصريحة التي تهدف لإحلال الأمن المتبادل في العلاقات الدولية. وكانت حساسيتنا تتمحور حول التساؤل عن إحلال ذلك الأمن الحقيقي والفعال بالنسبة لنا مقابل التحضيرات والصفقات التي تعترضه في هذا الطريق.
وتعتمد سياستنا الصادقة والصريحة في الشؤون الخارجية على فكرة السلام بشكل خاص. وإن إيجاد الحل لأي مشكلة بين الدول عبر السبل السلمية تصب في مصلحتنا ومفهومنا. نولي أهمية كبيرة لمبدأ الأمن وأدواته لعدم مواجهة أية مقترح غير هذه السبل. والسلام هو أفضل سبيل ينال به الشعب الرفاهية والسعادة. ولكن لدى تبني هذا المفهوم فإنه يتطلب الدقة الدائمة والاعتناء والتحضيرات للشعوب كل على حدا. ونحن نعتقد انه في سبيل تطوير الأمن السياسي بين الدول، إن الشرط الأول والأهم هو توحد الشعوب بشكل صادق على فكرة حماية السلام. وأنا أؤمن بأنه إذا كان المطلوب إحلال السلام الدائم، فيجب أن تتخذ التدابير بين الدول لتحسين أوضاع الشعوب. ويجب أن تحل الرفاهية لجميع الإنسانية مكان الجوع والضغط. ويجب أن يربى مواطنو العالم بشكل بعيد عن الغيرة والجشع والحقد".
وهكذا كان أن كمال أتاتورك مثالا يحتذي العالم به، وأولى الأهمية والأولوية للسلام والأمن في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وكان رجل دولة يؤمن بأهمية تربية أجيال المستقبل بالسبل السلمية. ومن غير شك السلام والأمن أمران مهمان بالنسبة لجميع الدول، طالما إن السلام الموجود يمكن الحفاظ عليه بالسبل والأساليب العقلانية وعدم تعريض الإنسانية لأية آلام أخرى.