نشر في 03.02.2010 07:31:35 UTC
تم التحديث في 03.02.2010 07:31:35 UTC
ان علاقات تركيا مع المجلس الأوروبي تتطور بسرعة كبيرة في الأعوام الأخيرة. واحد المؤشرات على ذلك، هو اختيار البرلماني التركي مولود تشاووش اوغلو لرئاسة الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي. وتولى تشاووش اوغلو مرشح المجموعة الديمقراطية الأوروبية مهام رئاسة الجمعية في الخامس والعشرين من كانون الثاني / يناير ۲۰۱۰ ليواصلها على مدى عامين. هذا التطور التاريخي، مهم جدا من ناحية المجلس الأوروبي وعلاقات تركيا بالمجلس، ويحمل العديد من المعاني.
ان الجانب الملفت للنظر في هذا الاختيار ، هو اختيار برلماني تركي ومسلم ومن دولة غير عضوه في الاتحاد الاوروبي للرئاسة لاول مرة في تاريخ المجلس الاوروبي البالغ ٦۰ عاما. ان اهمية ومعاني اختيار شخص يملك هذه الخصائص الثلاث بالنسبة للمجلس الاوروبي هي:
في البداية، فإلى جانب عدم اختيار رئيس من تركيا التي تعد واحدة من الاعضاء المؤسسين للرئاسة حتى الان ، فأن حالة تركيا داخل المجلس الاوروبي كان في وضع متدني. بل وحتى شهدت علاقات تركيا بالمجلس الاوروبي في بعض الفترات ازمات كبيرة. مثلا، علقت عضوية تركيا في المجلس الاوروبي لفترة بعد الانقلاب العسكري في الثاني عشر من ايلول/ سبتمبر ۱۹۸۰، ودخلت فترة تدقيق فيما بين الاعوام ۱۹۹٦ – ۲۰۰٤ بسبب الانقلاب العسكري المشهور ۲۸ شباط post-modern. وفي النهاية وبسبب القضية الخاصة بإغلاق الحزب الحاكم عام ۲۰۰۸ ، ولدت امكانية دخول عضوية تركيا في مسيرة تدقيق من جديد.
اما كون الشخص المختار لرئاسة الجمعية البرلمانية للمجلس الاوروبي مسلماً ، فيحمل رسائل مهمة من ناحية اجندة اوروبا بصورة عامة والمجلس الاوروبي بصورة خاصة. ان المجلس الاوروبي بهذا الاختيار، لمح كونه ضد الاسلام فوبيا والتميزات المشابهة المنتشرة في اوروبا، وعمل على اثبات حساسيته في موضوع التمييز بأختياره رئيسا مسلما.
على الاقل اُبدى تعاطف المجلس الاوروبي مع العالم الاسلامي وعلى رأسه تركيا.
وفي النتيجة، فأن اختيار الرئيس من دولة غير دول الاتحاد الاوروبي ، يعني من شرق اوروبا ذو مغزى كبير. علاوة على ذلك ، فهناك شعور خاطئ بكون الاتحاد الاوروبي محدودا بجغرافية اوروبا فقط.
و بناءاً على هذا التصور فان أوروبا تتجاهل مبادئ المجلس الأوروبي في الديمقراطية و سيادة القانون و حقوق الانسان التي تهدف إلى نشرها لدول الجوار. و مع ذلك، فأن المجلس الأوروبي لا يتضمن الدول الأوروبية الأساسية فحسب بل يضم ٤۷ دولة بما فيها روسيا و أذربيجان. أي يعتبر مؤسسة كبيرة تضم ۸۰۰ مليون نسمة. و ان اختيار رئيس للجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي من خارج الدول الأوروبية الرئيسية يعتبر مؤشراً على انتباه المجلس لما حوله.
ان انتخاب تشاووش أوغلو يعتبر خطوة إيجابية من ناحية دمقرطة تركيا و علاقاتها بأوروبا. إلا أن تركيا تمر من فترة تهدد فيها الديمقراطية و تتكثف فيها الأقاويل في الأشهر الأخيرة عن إمكانية حدوث انقلاب عسكري. و تعتبر قضية أرغانكون التي تستمر مسيرة محكمتها و الانقلابات العسكرية التي انعكست على الصحافة بأسماء مستعارة و هي Ayışığı أي ضوء القمر و Sarıkız أي الفتاة الصفراء و Eldiven أي القفاز و Kafes أي القفص و Balyoz أي المطرقة. و يمكننا ان نرى ان انتخاب نائب تركي لرئاسة الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي في فترة انتشرت فيها إدعاءات الانقلابات العسكرية يعتبر بمثابة دعم للديمقراطية التركية. و في نفس الوقت تحمل رسالة حول الهوية السياسية الأوروبية لتركيا.
أما النقطة الثانية بالنسبة لتركيا فهي العلاقات بين تركيا – و الاتحاد الأوروبي و موقع تركيا العالمي. فهناك ادعاءات بابتعاد تركيا عن أوروبا و اتجاهها نحو الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة. و ادعي أنه حصل انحراف في محور سياسة تركيا الخارجية من الغرب نحو الشرق. إلا ان الانتخابات التي جرت و نتيجتها أثبتت ان هذه الادعاءات ليست صحيحة أي ان أوروبا لم تحاول ابعاد تركيا و ان تركيا لم تنقطع عن أوروبا.
و يمكننا ان نعتبر نتيجة الانتخابات بأنها تطور ايجابي و مكافأة لتركيا على صعيد المجلس الأوروبي. إذا قارنا بين التسعينات و وقتنا الراهن نجد أن تركيا أحرزت تقدماً في مجال الديمقراطية و حقوق الانسان و التعددية و سيادة القانون و التي تعتبر من اهداف المجلس. و على الرغم من أن ذلك يجري على مستوى ليس ممتازاً إلا أن جودة الديمقراطية في تركيا تتسع و شهادة حقوق الانسان تتحسن و تقل عدد الدعاوي المرفوعة و عدد القرارات المتخذة ضد تركيا لدى محكمة حقوق الانسان الأوروبية. كما قلت حالات التعذيب و المعاملة السيئة و تتواصل مسيرة تركيا من أجل العضوية التامة في الاتحاد الأوروبي، و تتوسع ثقافة السلام في السياسة الداخية و الخارجية و تتحقق انفتاحات مع قبرص و اليونان و أرمينيا على مستوى بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، كما تتبع سياسة "اللا مشاكل" مع دول الجوار. هذا و بدأت السياسة الداخلية تتشكل بناءاً على المعايير الأوروبية.
تطرق مولود تشاووش اوغلو الذي انتخب لرئاسة الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي في أول كلمة له إلى مولانا الذي يعتبر رمزاً للحوار بين الثقافات و اشار إلى ان تركيا تعمل كجسر بين الشرق و الغرب منذ حوالي ألف عام. هذه التصريحات ستزيد من فعالياته و فعاليات تركيا لدى الجمعية البرلمانية.
نتيجة لذلك فان دور تركيا المتزايد في الجمعية البرلمانية يعتبر فرصة هامة لتطور السياسة التركية الداخلية و الخارجية من جهة و لتحقيق الجمعية أهدافها من جهة أخرى.